محمد أبو زهرة
2025
زهرة التفاسير
وقد يقال : إن الاعتداء كان وهم في الجاهلية ، وقد أسلموا ، فكيف يتصور أن يعاملهم المؤمنون بما كان منهم في الجاهلية مع أن الإسلام يجب ما قبله ؟ والجواب عن ذلك أن جرح النفس قد يستمر أثره ، فنهى الله تعالى المؤمنين عن أن يكون منهم ما يكون مجاوبة لما كان من آلام نالتهم بسبب صد المشركين لهم في الجاهلية ، وخصوصا أن في بيان ذلك بيانا لأن كل صد عن المسجد الحرام اعتداء على شعائر الله ، سواء كان ذلك قبل الإسلام أم كان سببه هوى النفس والشيطان ، ومشاحة بين المسلمين أنفسهم كما حدث في عصور سابقة ، وكما يحدث الآن مهما تكن الأسباب . وهنا قراءتان لا بد من ذكرهما ، - أولهما ، قراءة أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ بفتح الهمزة ، وهذه تشير إلى أن الصد كان في الماضي ، والاعتداء مجارمة لما كان في الماضي ، والقراءة الثانية ( إن صدوكم ) بكسر الهمزة « 1 » ، ومؤداها أنه إذا كان في المستقبل من يصدكم عن المسجد الحرام ، فلا تعاملوه بالمثل وتصدوه ؛ لأن ذلك اعتداء . والنص الكريم يدل على أن كل اعتداء حرام سواء أكان بالصد عن المسجد ، أو كان بغيره فما حرم الصد إلا لأنه شعبة من الاعتداء . وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ إن الاعتداء والتعاون على البر والتقوى ضدان ، وعندما يذكر أمر يرد على الخاطر ضده ؛ ولذا أمر الله تعالى بالتعاون على البر والتقوى بعد النهى عن الاعتداء . والبر : التوسع في فعل الخير للناس والطاعة لله تعالى وتطهير النفس من أدرانها ، وهذا إذا لم تذكر التقوى ؛ فإذا ذكرت التقوى معه ، كما في هذا النص الكريم ، كان البر هو الطاعة الظاهرة ونفع الناس ، وإسداء المعروف لهم ، وكانت التقوى تصفية النفس وتطهيرها وإخلاصها لله تعالى ، وقد قال في ذلك أبو الحسن الماوردي : « ندب الله
--> ( 1 ) ( إن صدوكم ) بكسر الهمزة ، بها قرأ ابن كثير وأبو عمرو ، وقرأ الباقون بفتح الهمزة . [ غاية الاختصار - سورة المائدة ( 797 ) . ج 2 ، ص 469 ] .